الموت القابع تحت السرير

Image source: Banished from Camelot – Tumblr

(1)

كل ليلة أشعر ببرودة بشرته تخترقني.  يقبع تحت سريري كلما حاولت الخلود إلى النوم. يطاردني ذلك الهاجس منذ زمن بعيد، منذ كنت طفلاً، كان يأتيني كل ليلة ويهددني بأنه سوف يمسك بي عند اول محاولة للنزول على الأرض. ما أن تلامس قدماي الأرض، ستمتد يد رمادية باردة وتأخذني بعيداً. لا اعلم ان كان  ذلك الـ”هناك” الذي سيأخذني إليه هو مكان افضل أو أسوأ من هذا العالم.. لا يهمني! مجرد التفكير بالرحيل يقضُّ مضجعي.

(2)

لا يزال تحت السرير ينتظر. أتجاهله، او أقنع نفسي بذلك، استحضر رائحة امرأة عبرت بي ذات مرة، أغمض عيناي، أجد نفسي على شاطيء صخري.. اتسلق جبل، أصل لقمته، لأجد شيخاً يبيعني خبزاُ.. أخبرتني صديقتي ذات مرة أن الخبز في المنام لا يبشر بالخير، صمتت، وصمتّ.. لم أسألها عن التفاصيل.. اكملت ارتشاف قهوتي، أشحت  بوجهي عنها قبل أن تختفي تاركة قطعة حلوى على المنضدة.

(3)

صدمت بسيارتي هرة اليوم، هل يتوجب علي دفع ديّة؟ أجابني بالطبع! شعرت بالحزن واقمت وليمة لقطط الحي تلك الليلة.

(4)

هذه الليلة الثانية التي لم انم فيها.. ربما كميات “النسكافيه” التي ابتعلتها طيلة النهار هي السبب. كنت اخاف  الظلام عندما كنت صغيراً. أذكر تماماً كيف كنت اخبيء جسمي الصغير تحت اللحاف، وكأنه هو المنقذ، تكوير جسمي وعدم الحراك هو الحل الناجع لكل الأخطار التي تحدق بي حالما تطفيء أمي الضوء..  ربما هي الغريزة.. قرأت ذات مرة أن هناك حيوانات تتصنّع الموت لتنجوا من صياديها. هل كنت أتصنّع الموت لأنجو من الموت؟

(5)

أنا اعلم أنه لا يرحل دون أن يأخذ شيء معه.. البارحة أخذ معه وردة كانت في مزهريتي.. منذ مدة، أخذ معه قريباً لي في رحلة. وعدني بأرجاعه، لكنه لم يفعل. قد يأخذ أشياء عدة.. سأعطيه بعض الوقت من إجازة نهاية الأسبوع. أهديته ذات مرة خلايا سيئة في الدم ليهديني جولة في نفق مظلم، أوصلني لبقعة ضوء ولكنه سرعان ما أعادني مع أول رجاءٍ لصديق ودمعة أم. الجدير بالذكر أنه لم يتمكن من اخذ عطرها الممتزج بذاكرتي..

(6)

أزاول نشاطاتي المعتادة كأن لا شيء سيزول. مها حاولت، أجد يديه تقتربان من تجاعيد كبار السن، أسمع قهقته تصدر من قطرات الأمصال في المستشفيات، اقرأ أسمه مدموغاً على رصاص الأسلحة والسيوف المتعطشة للدماء.. يرسل لي بطاقة دعوة كلما حذرتنا المراصد من زلزال وشيك…

(7)

سيبقى قابعاً تحت السرير.. لن يذهب مهما تمتمتُ بآيات قرآنية وأدعية أوصتني أمي أن أتلوها بشكل يومي. يزورني بالكوابيس حاملاً معه أسناناً مقلوعة. وفي النهار أقرأ مقالاته في عاموده اليومي: “الوفيات”.. وان اجتنبت قراءته، يهاجمني على الجدران.. بملصقات رخيصة الثمن..

(8)

سيبقى قابعاً تحت سريري ينتظر، أسمع ضحكاته.. امزجها مع موسيقى نيرفانا السوداوية، أطأ على أوراق أشجار خنقها الخريف. أشاهد طفلاً يدخل مدرسته، أُيقن أني هزمته هذا الصباح..أضحك، واكمل طريقي للعمل..

Reality Check

فجأة وجدها أمامه، أنيقة، جميلة، وشهية.  تاهت عيناه في شامة لعوب تسكن أعلى النهد، سافر بها برهة من الوقت . التقت عيناهما: عيناه بهما شغف يصل الى حد العبادة.. عيناها تسكنهما شقاوة مراهقة ورزانة أمرأة وفتنه أنثى..  اخترقا خطوط الطول والعرض واقتربا. شعر بدفء انفاسها يغازل وجنتيه.. سمعت هي خفقات قلبه… مهلاً.. نظر حوله.. هذا المكان لا يعرفه.. غير معتاد عليه. سأل نفسه: أين انا؟ هل احلم؟  نظر الى ساعته، لا عقارب فيها.. قرص نفسه، لا شيء.. حاول الطيران فارتفع بضعة سنتمترات عن الأرض.. “انا احلم اذاً”.. ضَحِكت على ما شاهدته، فاختباراته لتمييز الواقع من الحلم جعلته يبدو غريب الأطوار. ابتسم، دنا منها هامساً: بما أننا نحلم، لم لا نذهب الى مكان آخر؟ سألته: الى أين؟ أجاب: سطح القمر..

على رمل قمري ناعم جلسا سوياً متاملين كوكباً ازرق غير مكتمل يلوح في الأفق. مالت برأسها على كتفه، داعب شعرها بلطف، تعانقا، الشفاه تلامست بجوع، غرقت في بحر لذة من  قُبل وعض.. اريق الكثير من العسل، انفاس سريعة متقطعة ادفئت المكان والقلوب..

قصّت عليه  كيف مارست شهرزاد الحب مع شهريار أول مرة.. وكيف كان اللمس.. وعن ماذا كان الهمس.. ماذا ارتدت.. وكيف ثيابها خلعت..اخبرته كيف ابتدأت واخبرها هو كيف انتهى.. افشت بسر بلقيس، وكيف تغيّر التاريخ بعدما رفعت بلقيس عن ساقيها وبان المرمر..عندها  انحنى هو، وقبّل مرمرها.

تناقشا حول نظرية الجاذبية، اختلفا ان كان مصدرها عيناها أو دفء صدره.. لم يجدِ نفعاً الجدل بينهما.. وبين العين والصدر.. التقت الشفاه تتشاطر القبل.

قرءا  شعراً و روايات.. علمته الأبجدية… علمّها رسم الرموز الهيروغليفية.. رسم بعض النقوش عليها اوشام، فراشة عند الخصر، وردة اعلى النهد، ورسم ٌ قبليّ اسفل الظهر..

استكشفا علم الفلك، اخبرها ان سرتّها ثقب اسود.. كلما اقترب منه،  تلاشى فيه وضاع بالزمان والمكان. علمته كيف تكون الرقة، وما أصل الأنوثه..اعلمته ان نهر العسل ينبع منها، وان تفاحها لا ينضب، وان دفئها لا ينتهي. تلت عليه دروساً بفن العناق، وكيفية الغنج وتقنيات الكسل. كانت له كل نساء العالم، نهر انوثه، بركان شبق، تبدأ عندها الأشياء ولا تنتهي.. فسر لها كيمياء العشق عند الالتقاء. علمها وعلمته، عبرت يداه على جسدها  تحصدان الرقة، تدللان النعومة تثيران الأنوثة.. سألها عن اسماء النهد باللغة العربية،  فأجابته:  سمّه ما شئت وابقِ يديك عليه!  طوقها بذراعيه عشقاً، ذابا ببعض وحلّقا، وصلا الى أعلى سماء منتشين،ولم يعودا حتى الآن..

* ملاحظة: ما يزال هذا الحلم مستمراً.. ولن ينتهي. تسكنين فيّ وفيه.

 

حدث ذات سرير

ما أن باشرها حتّى فرغ لاهثاً، لم يسعفه حظه هذه الليلة من ابتلاع الحبة الزرقاء قبل أن يأتيها.  مسح آثار ما فعل بورقة “كلينكس”ورماها  على الأرض ممزوجة بخيبته، مكورة مجعدة كأنها مضغت لساعات من قِبل  كلب ضال.  أما هو فلم يختلف منظره  كثيراً عن هذه الورقة عدا أنه زاد عنها بلهاثه ورائحة عرقه.

تحاشى النظر إلى عينيها خجلاً وأدار لها ظهره كأن كل شيء على ما يرام، تظاهر بالنوم  وهو يعد نفسه بسهرة حمراء غداً  بعد أن يبتلع ما فاته هذه الليله من حبوب زرق ولربما تناول بعض ثمار البحر على العشاء. لم يرض عن ادائه  هذه الليلة، فقد أحس بجرح لرجولته في الصميم، وأقسم أن ليلة الغد ستكون خارقة وسيمارس ذكورته المستعارة المدعومة بالمقويات والفوسفور، وسيكون وحشاً كاسراً يلتهم أنوثتها بلقمة، وسيجعلها تصرخ الماً وشبقاً لذكر لم تر مثله ولن ترى بعده بعد تلك الليلة، “سيكون فحلاً بكل ما اوتي من قوة”..أرضى رجولته المنكسرة بهذه الأفكار،  ابتسم وأغمض عينيه ونام.

أما هي فلم تكترث له ولوجوده، لفحولته او عدمها، فكلاهما عندها سيان، فهي في تلك اللحظات كانت مع شخص آخر،  تتذوق معه ما لذ وطاب من عشق وشغف وشبق يترجم إلى لغة جسدين احرقهما الوله، بلغت هي  نشوتها عدة مرات وهو مازال لديه الكثير ليعطيها والكثير من الحطب لنار أُوقدت فيها ولم تعرف طريقاً للخبوّ.. ما يزالان حتى هذه اللحظات معاً، في زاوية معتمة في ذاكرتها. ذاكرتها التي تولد احلاماً  اضحت واقعها الذي تهرب اليه من واقع اصبح هو الكابوس والوهم. اغمضت عينيها.. امتطته كحصان، تسلّمت الدفة، وأبحرت بجسده. سافرت نحو اللذة.. ولم تعد حتى الآن، تاركة رجلاً مهزوماً نائماً بسريرها، رجلاً يحلم برجولة تتسول  قوتها من حبة زرقاء..

From the Movie “Broken Embraces”